على امتداد قمم الجبال الشرقية لمنطقة جازان جنوب غرب المملكة العربيةالسعودية، في محافظات “الداير، فيفاء، بلغازي، والريث” حيث تُحتضن شجرة البن التي وجدت في تلك المرتفعات موطنًا خصبًا امتد عبر الأجيال، وأبت إلا أن تفرض حضورها التاريخي، والثقافي، وتؤكد للعالم تميز وفرادة منتجها، مُجددة حضورها كل عام عبر مهرجان سنوي انطلقت أولى فعالياته عام 2013، تحول عبر سنواته العشر اللاحقة إلى حدث احتفالي هام يُعيد إلى الأذهان إرث الأجداد ويُحتفى خلاله بالذهب الأخضر، ليتحول المهرجان إلى منصّةً تنموية وسياحية، تجذب عشاق القهوة من كل حدب وصوب.

انطلقت نسخة مهرجان البن الأولى في نوفمبر من عام 2013، حين احتضنت محافظة الداير أول نسخة من المهرجان برعاية أمير منطقة جازان، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن ناصر بن عبدالعزيز حفظه الله، لم يكن المهرجان سوى فكرة حالمة، جمعت مئتي مزارعٍ عرضوا محاصيلهم أمام الزوار، في محاولةٍ لإعادة البريق إلى زراعة البن في المنطقة الجنوبية من المملكة. واليوم، وبعد أكثر من عقدٍ من الزمن، تحول هذا الحدث إلى منصةٍ عالميةٍ تحتفي بجودة البن السعودي، وتدعم المزارعين، وتُنعش السياحة الريفية في المنطقة.

لم يكن الطريق نحو النجاح مفروشًا بالورود، لكنه كان معبّدًا بالعزيمة والرؤية الطموحة، فمنذ انطلاقة المهرجان، تضاعف عدد أشجار البن من 60 ألف شجرة عام 2013 إلى أكثر من 400 ألف شجرة في 2025، مما رفع الإنتاج السنوي إلى أكثر من 1000 طن من البن عالي الجودة.

في النسخة العاشرة عام 2023، استقطب المهرجان أكثر من 120 ألف زائر، وشارك فيه 100 مزارعٍ قدموا ما يزيد عن 500 طن من البن، وسط أكثر من 50 فعالية متنوعة، امتدت من المعارض التراثية إلى العروض الفلكلورية، ومن ليالي الشعر إلى الدورات التدريبية للمزارعين، في مشهدٍ يجمع بين الأصالة والتجديد.

وعلى مدار العشر سنوات، لم يكن مهرجان البن مجرد تظاهرة احتفالية، بل كان حراكًا تنمويًا أحدث تحولاتٍ ملموسة في قطاع الزراعة والسياحة، وبفضل المبادرات الداعمة المتتالية، عاد العديد من المزارعين إلى حقولهم، واستحدثت وزارة الزراعة فرعًا خاصًا في محافظة الداير لتقديم الدعم التقني والمالي لهم.

كما أصبحت منطقة جازان، بفضل الله وجهةً رئيسيةً لعشاق القهوة، حيث توافد إليها الآلاف من الزوار من داخل وخارج المملكة، مما أنعش الاقتصاد المحلي وفتح أبوابًا جديدةً لفرص الاستثمار وصلت بالبن السعودي إلى العالمية، ولم يبقَ حبيس الجبال، بل شق طريقه نحو الأسواق العالمية، حتى تم إدراجه ضمن قائمة التراث غير المادي لليونسكو، تأكيدًا على مكانته الفريدة.

ثم جاء عام 2025 ليكون شاهدًا على تتويج رحلة عقدٍ من العطاء، بإطلاق المعرض الدولي للبن السعودي، الذي جمع نخبةً من الخبراء الدوليين في مجال القهوة، وأتاح فرصةً لاستعراض التجربة السعودية في زراعة البن أمام العالم، تجاوز عدد الزوار 150 ألف زائر، وتحولت المنصات إلى مساحةٍ تفاعلية تبادل فيها المزارعون تجاربهم، وأبرمت خلالها شراكاتٌ تسويقية تدعم انتشار البن السعودي عالميًا.

لم يعد مهرجان البن في جازان مجرد احتفالٍ موسمي، بل أصبح قصةً ملهمة تحكي عن أرضٍ تعانق الغيوم، وأيدٍ تزرع الأمل في كل شجرة بن، وإرادةٍ تأبى إلا أن تصنع التميز، وبينما تتطلع أنظار عشاق القهوة إلى مستقبل هذا الحدث، يبقى البن السعودي شاهدًا على نهضةٍ بدأت من جبال الداير، ولا تزال تمتد نحو آفاقٍ أرحب، حيث يجد الذهب الأخضر طريقه نحو العالمية، متكئًا على جذورٍ ضاربةٍ في عمق الأرض والتاريخ.

من jubran4u